بيانات صحفية

اليوم الدولي للعمل البرلماني: بين الدور الدستوري وواقع الممارسة في الجزائر

يأتي اليوم الدولي للعمل البرلماني ليؤكد أن البرلمان ليس مجرد غرفة للتصويت على مشاريع السلطة التنفيذية، بل سلطة دستورية مستقلة وُجدت للتشريع والرقابة والمساءلة، وحماية الحقوق والحريات، والدفاع عن الإرادة الشعبية.

غير أن الواقع في الجزائر يكشف تآكلاً متزايداً لهذه الوظائف، إذ تكاد المبادرة التشريعية البرلمانية تنعدم، بينما تواصل السلطة التنفيذية احتكار صناعة القوانين، فيتحول البرلمان في كثير من الأحيان إلى فضاء للمصادقة أكثر منه مؤسسة للنقاش والتعديل والرقابة، حتى عندما يتعلق الأمر بتشريعات تمس الحقوق والحريات الأساسية.

كما تتجلى هشاشة الحقوق السياسية في استمرار غياب تكافؤ الفرص في المشاركة في الحياة السياسية، وإقصاء مواطنين من حقهم في الترشح استناداً إلى مبررات فضفاضة وتأويلات واسعة تفتقر إلى الوضوح واليقين القانوني. ويتجلى ذلك بوضوح في الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 2 جويلية 2026، حيث أُقصي عدد من المترشحين استناداً إلى المادة 200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، التي أصبحت محل انتقاد بسبب الصياغة الواسعة التي تسمح بتفسيرات متفاوتة، بما يفتح المجال لتقييد الحق في الترشح على أساس معايير غير منضبطة، في مساس بمبدأ الأمن القانوني، وتكافؤ الفرص، والحق في المشاركة السياسية.

والأخطر من ذلك أن ممارسة الوظيفة النيابية في الرقابة ومساءلة السلطة قد تتحول، في بعض الحالات، إلى مصدر للملاحقة بدل أن تكون واجباً دستورياً، كما تعكسه قضية السيناتور عبد القادر جديع، في رسالة خطيرة مفادها أن البرلماني الذي يمارس صلاحياته الرقابية قد يجد نفسه عرضة للمساءلة، بما يفرغ الرقابة البرلمانية من مضمونها ويقوض استقلالية المؤسسة التشريعية.

إن البرلمان الذي لا يشرّع باستقلال، ولا يراقب بفعالية، ولا يدافع عن الحقوق والحريات، يفقد جوهر رسالته الدستورية، ويتحول إلى مؤسسة تمنح الشرعية الشكلية لقرارات تُصنع خارج أسواره.

فقوة البرلمان لا تُقاس بعدد القوانين التي يصادق عليها، بل بطريقة تشكيله. فلا برلمان قوي دون انتخابات حرة، ديمقراطية، شفافة ونزيهة، تضمن تكافؤ الفرص، وتحمي حق جميع المواطنين في الترشح والمشاركة السياسية دون إقصاء أو تمييز. فهذه هي الأسس التي تُبنى عليها مؤسسة تشريعية مستقلة، قادرة على مساءلة السلطة، وحماية الحقوق والحريات، وتجسيد الإرادة الشعبية وصون سيادة الدستور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى