التقارير

من منشور إلى تهمة إرهاب: المادة 87 مكرر وتآكل الفضاء العام في الجزائر

لم يعد الجدل حول المادة 87 مكرر من قانون العقوبات الجزائري نقاشًا قانونيًا فحسب، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بمستقبل حرية التعبير والفضاء المدني في الجزائر. فمنذ إدراج أحكام مكافحة الإرهاب في التشريع الجزائري عام 1995، شهد هذا الإطار توسعًا تدريجيًا عبر أربع جولات من التعديلات التشريعية في أعوام 2014 و2016 و2021 و2024، حيث وسّعت هذه التعديلات، بدرجات متفاوتة، تعريف الإرهاب أو نطاق الجرائم المرتبطة به أو كليهما، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة بشأن اتساع دائرة التجريم.

وشكّل تعديل قانون العقوبات بموجب الأمر رقم 21-08 الصادر في 8 جوان 2021 محطة مفصلية في هذا المسار، بعدما وسّع تعريف الأفعال الإرهابية بصياغات أثارت انتقادات حقوقية وأممية متواصلة. وقد وثقت منظمة شعاع لحقوق الإنسان هذا التطور في تقريرها حول توظيف تشريعات مكافحة الإرهاب ضد المجتمع المدني، معتبرة أن الصياغة الفضفاضة للمادة 87 مكرر تسمح بإدراج أنشطة سياسية وحقوقية وصحفية وأكاديمية سلمية ضمن نطاق التجريم الأمني.

ومنذ عام 2008، أعربت هيئات وآليات متعددة تابعة للأمم المتحدة عن قلقها بشأن مدى توافق الإطار التشريعي الجزائري لمكافحة الإرهاب مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي ملاحظاتها الختامية بشأن الجزائر الصادرة عام 2018، أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن قلقها من أن التعريف الواسع والغامض للإرهاب في المادة 87 مكرر قد يسمح بملاحقة أفعال تدخل في نطاق ممارسة حرية التعبير أو التجمع السلمي، كما حذرت من الاستخدام غير الملائم لتدابير مكافحة الإرهاب ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، ودعت إلى اعتماد تعريف يتوافق مع مبدأ الشرعية ويحترم الحقوق المكفولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتواصلت هذه المخاوف في توصيات المقرر الخاص المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات عقب زيارته إلى الجزائر عام 2023، ثم في تقرير المقررة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور، الصادر عام 2025، الذي حذر من أن اتساع تعريف الإرهاب يحد من قدرة المدافعين عن حقوق الإنسان على ممارسة عملهم، ويعزز مناخ الخوف والرقابة الذاتية.

ولا يتعلق الإشكال بحق الدولة في مكافحة الإرهاب، وإنما بالحدود التي يجب أن تفصل بين حماية الأمن القومي وضمان الحقوق والحريات الأساسية. فعندما يصبح من الممكن تفسير نشاط سياسي أو حقوقي أو صحفي أو أكاديمي سلمي باعتباره تهديدًا لأمن الدولة، تنتقل الإشكالية من تطبيق القانون إلى صياغته نفسها.

وخلال عام 2026، واصلت منظمة شعاع توثيق قضايا استندت إلى المادة 87 مكرر أو إلى نصوص أمنية ذات صلة بحق باحثين وصحفيين ونشطاء، من بينهم حسن بوراس ومنير صغير ومراد أتميمو، إلى جانب رصدها المستمر لقضايا معتقلي الرأي المرتبطة بحرية التعبير، بما يعكس استمرار استخدام النصوص ذات الطابع الأمني في سياقات تتصل بممارسة الحقوق والحريات الأساسية.

وتثير هذه الوقائع سؤالًا جوهريًا: ما الذي يبقى من الفضاء العام عندما يصبح المواطن أو الصحفي أو الباحث أو المدافع عن حقوق الإنسان غير قادر على معرفة أين تنتهي حرية التعبير وأين تبدأ تهمة ذات طابع أمني؟ فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه الجزائر، يكفل حرية الرأي والتعبير، ولا يجيز تقييدها إلا وفق مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.

ولا تحتاج الجزائر إلى الاختيار بين مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان، فكلا الهدفين يمكن تحقيقهما في إطار دولة القانون. غير أن ذلك يقتضي حصر تشريعات مكافحة الإرهاب في الأفعال الإرهابية الحقيقية، وألا تتحول إلى أداة لتجريم التعبير السلمي أو النشاط الحقوقي أو العمل الصحفي أو البحث الأكاديمي أو الإبداع الفني.

وترى منظمة شعاع أن مراجعة المادة 87 مكرر أصبحت ضرورة قانونية وحقوقية لضمان اتساق التشريع الجزائري مع التزامات الدولة الدولية، وتعزيز مبدأ الشرعية، وحماية الفضاء المدني، وضمان ألا يُواجَه الرأي أو النقد السلمي بأدوات القانون الجنائي أو باتهامات ذات طابع أمني. فوجود إطار قانوني واضح ودقيق لمكافحة الإرهاب يعزز سيادة القانون ويحمي الأمن في الوقت نفسه، دون المساس بالحقوق والحريات الأساسية التي تشكل جوهر أي مجتمع يحترم التزاماته الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى