الحملات والمناصرة

حين يصبح البحث عن الأب طريقًا إلى السجن.. قصة ياسين خالدي

في 16 أوت 1994، اعتُقل عمار خالدي، والد ياسين خالدي، بحسب رواية العائلة، من دكانه في سوق وادي رهيو بولاية غليزان، على يد عناصر من القوات الخاصة المعروفة بـ«القبعات الحمر» التابعة للناحية العسكرية الثانية، رفقة 27 شخصًا آخرين. وبعد نحو ثلاث ساعات، عادت عناصر أمنية إلى منزل العائلة وفتشته. ومنذ ذلك اليوم، انقطع أثره وظل مصيره مجهولًا.

أكثر من ثلاثين عامًا مضت على اعتقاله، دون أن تعرف عائلته أين نُقل أو ماذا حدث له. ومنذ ذلك الحين، تحولت حياة ابنه ياسين خالدي إلى مسار طويل من البحث عن الحقيقة والمطالبة بكشف مصير والده.

وأصبح ياسين من المدافعين البارزين عن حقوق الإنسان والناشطين في صفوف التنسيقية الوطنية لعائلات المختطفين، مدافعًا عن حق عائلات المفقودين في معرفة مصير ذويها والحصول على الحقيقة والعدالة.

وكان من أشد الرافضين لـقانون المصالحة الوطنية، لأنه، بحسب موقفه، طلب من عائلات المفقودين طيّ صفحة لم تعرف حقيقتها أصلًا: الضحايا لم يُكشف مصيرهم ولم تتحقق لهم العدالة، بينما بقي المتهمون بالانتهاكات بمنأى عن المساءلة. لذلك ظل متمسكًا بأن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على الصمت، بل على الحقيقة والعدالة والمحاسبة.

لكن هذا المسار كلّفه الكثير. فبحسب شهادته، بدأت ملاحقته أمنيًا سنة 1996، وصدر بحقه حكم غيابي بالسجن عشر سنوات، قبل استفادته من عفو خاص سنة 2000. وخلال السنوات التالية، تعرض لسلسلة من التوقيفات والمتابعات القضائية والسجن على خلفية نشاطه الحقوقي.

وكانت إحدى أبرز محطات هذا المسار في ديسمبر 2019، حين أُوقف وأودع الحبس المؤقت، قبل أن يُحكم عليه لاحقًا بالسجن. وخلال احتجازه، خاض إضرابًا عن الطعام لمدة 20 يومًا احتجاجًا على ما وصفه بظروف سجنه القاسية، ويقول إنه وُضع لاحقًا في العزلة العقابية لمدة سنة.

ولم تتوقف المتابعات بعد خروجه، إذ واجه عدة قضايا أخرى، وأُوقف مجددًا في إحدى القضايا على خلفية اتهامه بـإعانة عائلات المعتقلين. وخلال احتجازه، خاض إضرابًا آخر عن الطعام استمر 17 يومًا، قبل أن تقرر غرفة الاتهام الإفراج عنه.

وفي ديسمبر 2023، التقى ياسين خالدي بالمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان ماري لولور، خلال زيارتها الرسمية إلى الجزائر، في إطار نشاطه الحقوقي ودفاعه المستمر عن قضية المفقودين وحقوق عائلاتهم.

وهكذا تختصر قصة ياسين خالدي أكثر من ثلاثة عقود: أب اعتُقل من دكانه وانقطع أثره، وابن كبر وهو يبحث عنه، فتحول إلى مدافع عن حقوق الإنسان، وواجه التوقيف والمتابعة والسجن دون أن يتخلى عن مطالبته بالحقيقة.

وفي 30 أوت، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، تذكّر قصته بأن مرور أكثر من ثلاثين عامًا لا يغلق ملفًا ما دام مصير المفقود مجهولًا وعائلته لا تزال تنتظر الحقيقة.

أين عمار خالدي؟ ماذا حدث له منذ 16 أوت 1994؟

البحث عن أب مفقود ليس جريمة، ورفض طيّ ملف الاختفاء دون حقيقة وعدالة ليس جريمة. ولا يمكن أن تكون هناك مصالحة حقيقية دون كشف مصير الضحايا، وإنصاف عائلاتهم، وضمان الحقيقة والعدالة والمساءلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى